د. كريم نعمه
قسم العلاقات الدولية الإقتصادية– كلية التجارة- جامعة فيليكو ترنفو- بلغاريا
تعد الشركات متعددة الجنسية من العوامل الاساسية في ظهور العولمة، ومن أهم سمات الشركات المتعددة الجنسية تعدد الأنشطة التي تشتغل فيها دون أدنى رابط بين المنتجات المختلفة. ويرجع السبب الرئيسي الذي دعا الشركات المتعددة الجنسية إلى تنويع نشاطها ، فهي تستند الى اعتبار اقتصادي مهم ، وهو تعويض الخسارة المحتملة في نشاط معين بأرباح تتحقق من أنشطة أخرى ، وأيضاً تعمل هذه الاسواق للسبب ذاته ، وتعدد أساليب إنتاجها بحيث إذا ارتفعت قيم أحد عناصر الإنتاج التي يعتمد عليها اسلوب انتاجي ما يمكن الانتقال إلى أسلوب إنتاجي آخر يعتمد على عنصر إنتاجي ذات ثمن منخفض نسبياً ، ومن هنا جاءت تسمية هذه الشركات بإسم متعددة الجنسيات.
أ . تعريف الشركات متعدية الجنسيات
تغير وتطور هذا المفهوم بمرور الوقت ، حيث كان يطلق عليها في بداية ظهورها الشركات المتعددة الجنسيات Multinational Company ، حيث كانت ملكيتها تخضع لسيطرة جنسيات متعددة كما يتولى إدارتها اشخاص من جنسيات متعددة وتمارس نشاطها في بلاد أجنبية متعددة على الرغم من أن إستراتيجياتها وسياساتها وخطط عملها تصمم في مركزها الرئيسي الذي يوجد في دولة معينة تسمى الدولة الأم Home Country ، إلا أن نشاطها يتجاوز الحدود الوطنية والإقليمية لهذه الدولة وتتوسع في نشاطها إلى دول أخرى تسمى الدول المضيفة Host Countries . وفي مرحلة لاحقة رأت لجنة العشرين ، والتي شكلتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة في تقريرها الخاص بنشاط هذا النوع من الشركات ان يتم استخدام كلمة Transnational بدلا ًمن كلمة Multinational وكلمة Corporation بدلاً من كلمة Enterprise ، واتضح بأن هذه الشركات تعتمد في انشطتها على سوق متعدد الدول ، كما أن استراتيجياتها وقراراتها ذات طابع دولي وعالمي ، ولهذا فهي تكون شركات متعدية الجنسيات ، حيث تتعدى القوميات ، ذلك لأنها تتمتع بقدر كبير من حرية تحريك ونقل الموارد ومن ثم عناصر الانتاج من رأس المال والعمل فضلاً عن المزايا التقنية أي نقل التكنولوجيا بين الدول المختلفة وهي مستقلة في هذا المجال عن القوميات أو فوق القوميات Supra National ، وهي بالتالي تساهم ومن خلال تأثيرها في بلورة خصائص وآليات النظام الاقتصادي العالمي الجديد والتأكيد على عالميته.
ب . تعاظم الشركات متعدية الجنسيات
لقد تم توضيح وتعريف الشركات متعدية الجنسيات ، ولكن من الضروري أيضاً أن نعرف بأنها الشركات العالمية النشاط والتي تعتبر في كل معانيها إحدى السمات الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، فهي تؤثر بقوة في الاقتصاد العالمي من خلال أنشطتها المختلفة. ويكفي الإشارة في هذا المجال إلى أن تلك الشركات العملاقة ذات الإمكانيات التمويلية الهائلة ، تلعب دور القائد في الثورة العلمية التكنولوجية ، وبالتالي فهي تعمق الاتجاه نحو العالمية أو عولمة الاقتصاد.
هناك العديد من المؤشرات الأخرى والتي تدل على تعاظم دور الشركات المتعدية الجنسيات والعالمية النشاط ومن أهمها:
1. تزايد مكانة ودور هذه الشركات في الاقتصاد العالمي ، وكما أشارت مجلة Fortune في شهر يوليو من عام 1995م في دراسة شملت أكبر خمسمائة من هذه الشركات في العالم إلى أن إجمالي إيرادات تلك الشركات قد بلغ 11378 ( إحدى عشر تريليون وثلاثمائة وثمانية وسبعون مليار دولار) ، والذي يمثل 171% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة و45% من الناتج المحلي الاجمالي للعالم في عام 1994 . أما أصول هذه الشركات فقد بلغت نحو 32,2 تريليون دولار ، وعدد العاملين بها 35,2 مليون عامل ، وصافي أرباحها نحو 323,4 مليار دولار. وتستحوذ الشركات المتعدية الجنسيات في مجموعها على حوالي 40% من حجم التجارة العالمية، ومعظم الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.2.
أن حوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال الشركات متعدية الجنسيات، وهو ما يعكس ضخامة قدرتها التسويقية والإنتاجية التي مكنتها من السيطرة على جزء هام من حركة التجارة الدولية.
3. الدور الكبير الذي تلعبه هذه الشركات في تسريع الثورة التكنولوجية ، فبفضلها زادت نسبة الاكتشافات التكنولوجية الحديثة والتي كانت نتيجة لجهود البحث والتطوير Research and development التي قامت بها هذه الشركات.
4. تجاوزت الأصول السائلة من الذهب والاحتياطيات النقدية الدولية المتوافرة لدى الشركات المتعدية الجنسيات نحو ضعفي الاحتياطي الدولي منها، ويدل هذا المؤشر على مقدار تحكم هذه الشركات في السياسة النقدية الدولية والاستقرار النقدي العالمي.
إن الدول حديثة النمو أو الساعية للإصلاح الاقتصادي أو الساعية للخروج من الاقتصاد المركزي ، تتجه الى جذب المستثمر الأجنبي المباشر للاستثمار على اراضها رغبة في الحصول على التكنولوجيا غير المتوفرة محلياً، وكذلك لخلق فرص عمل للمواطنين ، وكذلك الحصول على تكنولوجيا الإدارة وتنظيم المشروعات ، وكذلك الدخول في غمار المنافسة داخليا وخارجياً.
أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هناك رابطة سببية بين كل من العولمة والشركات متعدية الجنسيات ، فكل منها غذي الآخر واستفاد منه خلال السنوات الماضية. تساهم العولمة في زيادة حجم الشركة ، ومؤدية الى توسع حجم الدمج والتملك Merger & Acquisition عبر الحدود. فعلى سبيل المثال في عام 1996 م ، بلغ حجم الدمج والتملك 247,6 بليون دولار ويمثل هذا أكثر من 80% من أجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي .
ومن ثم فإن العامل الرئيسي وراء الزيادة القياسية في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي في عام 1998 م مرجعه الزيادة السريعة في عدد وحجم عمليات الدمج والتملك على المستوى الدولي التي ارتفعت بنسبة 75% في عام 1998م ، لتصل 586,8 بليون دولار.
ساهمت العولمة في إزالة العقبات التي وضعت في السابق لحماية السوق المحلي ، ومن ثم يمكن للشركة التوجه للاستثمار واستيراد متطلبات الإنتاج دون عقبات تجارية.
وبالتالي ، فأن كل من العولمة والشركات متعددة الجنسيات قد أثر كل منهما في تطور والتأثير بالأخر، والمستفيد في النهاية الشركات متعددة الجنسيات. وخلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي شهد عالمنا تغيرات كبيرة وضخمة وعلى جميع المستويات وكلها قادتنا الى ما نسميه اليوم بالعولمة.
ت. خصائص الشركات المتعدية الجنسيات
يتسم النظام الاقتصادي العالمي الجديد بتعميق عالمية الاقتصاد Globalization وتزداد فيه دور المؤسسات الاقتصادية الدولية ، وتبرز فيه عدد من الملامح الهيكلية. تتمتع الشركات المتعددة الجنسيات والتي تعد من أهم ملامح ظاهرة العولمة أو النظام الاقتصادي المعاصر بالعديد من الصفات والسمات التي تميزها وتتحدد دورها وتاثيرها على النظام الاقتصادي العالمي، ومن أهم هذه الصفات:
1. ضخامة الحجم : تتميز هذه الشركات بضخامة حجمها وتمثل كيانات اقتصادية عملاقة ، ومن المؤشرات التي تدل على هذا ، حجم رأس المال وحجم استثماراتها وتنوع انتاجها وارقام المبيعات والإيرادات التي تحققها ، والشبكات التسويقية التي تملكها ، وحجم انفاقها على البحث والتطوير ، فضلا عن هياكلها التنظيمية وكفاءة أدارتها.
ولكن ، أهم مقياس متبع للتعبير عن سمة الضخامة لهذه الكيانات الاقتصادية العملاقة ، يتركز في المقياس الخاص برقم المبيعات Sales Figure أو مايطلق عليه " رقم الأعمال". كذلك يستخدم حجم الإيرادات لنفس الهدف ، ووفقاً لهذا المقياس احتلت شركة ميتسوبيشي ، بإجمالي إيراداتها الذي بلغ 184,4 مليار دولار ، المرتبة الأولى بين أكبر خمسمائة شركة متعدية الجنسيات في عام 1995 م ، والتي يصل أجمالي إيراداتها إلى نحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كذلك تستحوذ هذه الشركات الخمسمائة على نحو 80% من حجم المبيعات على المستوى العالمي. أن نشاط الشركات المتعدية الجنسيات حقق معدلات نمو مرتفعة تجاوزت 10% سنوياً أي نحو ضعف معدل النمو في الاقتصاد العالمي ومعدل نمو التجارة العالمية.
2 . ازدياد درجة تنوع الأنشطة : تشير الكثير من الدراسات والبحوث، إلى ان الشركات المتعدية الجنسيات تتميز بالتنوع الكبير في أنشطتها ، فسياستها الانتاجية تقوم على وجود منتجات متنوعة متعددة ، ويرجع هذا التنوع إلى رغبة الإدارة العليا في تقليل احتمالات الخسارة ، من حيث انها إذا خسرت في نشاط يمكن أن تربح من أنشطة أخرى . وقد قامت هذه الشركات بإحلال وفورات مجال النشاط economies of Scope محل وفورات الحجم economies of Scale والتي انتهجتها الشركات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية. ونتيجة لذلك تتشعب الأنشطة التي تقوم بها الشركات المتعدية الجنسيات قطاعياً وجغرافياً ن وهذا بالتالي يؤدي إلى تحقيق التكامل الأفقي والرأسي.
3 . الإنتشار الجغرافي – الأسواق : من الميز التي تتميز بها الشركات المتعدية الجنسيات هي كبر مساحة السوق التي تغطيها وامتدادها الجغرافي ، خارج الدولة الأم ، بما لها من إمكانيات هائلة في التسويق ، وفروع وشركات تابعة في أنحاء العالم. لقد ساعدها على هذا الانتشار التقدم التكنولوجي الهائل ، ولاسيما في مجال المعلومات والاتصالات .
وتكفي الإشارة إلى أن شركة ABB السويسرية ، تسيطر حالياً على أكثر من 1300 شركة تابعة منتشرة في معظم أنحاء العالم ، مع العلم أن السوق السويسرية لاتستوعب إلا نسبة بسيطة للغاية من إجمالي مبيعات الشركة.
وقد ساعدت على ذلك كله ابداعات الثورة العلمية والتكنولوجية في مجالي المعلومات والاتصالات ، حيث اصبح مايسمى الانتاج عن بعد Teleportation حيث توجد الإدارة العليا وأقسام البحث والتطوير وإدارة التسويق في بلد معين ، وتصدر أوامر بالإنتاج في بلاد أخرى.
4 . القدرة على تحويل الانتاج والاستثمار علىمستوى العالم : أن هذه الخاصية ناتجة عن كون هذه الشركات تتميز بنشاطها الاستثماري الواسع في العالم ، وكذلك كونها كيانات عملاقة متنوعة الأنشطة تسودها عمليات التكامل الافقي والرأسي.
على الرغم من ضخامة الاستثمارات الدولية التي تقوم بها الشركات المتعدية الجنسيات ، فإن اكثر من ثلثي استثماراتها تتركز في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي ( انجلترا والمانيا وفرنسا ) وسويسرا واليابان، ويعود هذا التركز الى العوامل التالية:
- المناخ الجاذب لهذه النوعية من الاستثمارات ،
- ارتفاع العائد على الاستثمارات ،
- تزايد القدرات التنافسية للدول المضيفة والتي تتحقق عادة من خلال انخفاض تكلفة عنصر العمل وتوافره وارتفاع مستواه التعليمي ومهاراته وإنتاجيته ،
- توافر البنية الأساسية وتسهيلات النقل وتقدم شبكات الاتصالات ،
- والطاقة الاستيعابية للاقتصاد القومي .
5 . إقامة التحالفات الاستراتيجية : وهي تعتبر من السمات الهامة للشركات متعددة الجنسيات والتي تسعى دوماً الى إقامة تحالفات استراتيجية فيما بينها ومن أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية المشتركة وتعزيز قدراتها التنافسية والتسويقية . أن هذه التحالفات هي نتاج المنافسة المحتدمة والتي صارت سمة اساسية للأسواق المفتوحة وثورة الاتصالات والمعلومات.
أن التحالفات الاستراتيجية بين الشركات المتشابهة تتم في الصناعات المتماثلة بدرجة أكبر، وفي بعض الأحيان يأخذ هذا التحاف شكل الاندماج ، وهذا يظهر بوضوح في مجال البحث والتطوير بما يحتاجه الى تمويل ضخم ، ومن الأمثلة على هذا التعاون ، التمركز الأوروبي لبحوث الحاسوب والمعلومات والاتصالات التي تشترك فيه ثلاثة شركات أوروبية كبرى تنتج الحاسبات الآلية ، وهي بول المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ